ولم تكن بطولة كأس العالم لقاءات روتينية و مجرد مباريات تُلعب كل أربع سنوات، بل تحولت عبر تاريخها الطويل إلى مسرح للحظات صنعت أساطير، وكتبت أسماءً بقيت خالدة في ذاكرة جماهير كرة القدم. فهناك نسخ لم تتوقف عند حدود التتويج بالكأس، بل أصبحت أحداثًا استثنائية غيّرت تاريخ اللعبة بالكامل".
وعلى امتداد تاريخ بطولات كأس العالم، لم تقتصر المنافسة على التتويج بالكأس الأغلى في عالم كرة القدم، بل شكلت البطولة فرصة استثنائية لظهور نجوم سطروا أسماءهم بأحرف من ذهب في سجلات اللعبة.
فمن ملاعب المونديال انطلقت مسيرات أساطير متميزة صنعت أمجاد منتخبات بلدانها وأبهرت الجماهير بموهبتها، لتبقى إنجازاتها راسخة في ذاكرة عشاق كرة القدم جيلا بعد جيل".
في مقدمة تلك النسخ تأتي بطولة 1958 التي شهدت ميلاد أسطورة جديدة في عالم الكرة، عندما ظهر الفتى البرازيلي بيليه بعمر 17 عامًا فقط، وقاد منتخب بلاده نحو اللقب، بعدما سجل أهدافًا حاسمة أبرزها ثنائية في المباراة النهائية أمام السويد. ومنذ تلك اللحظة بدأت رحلة اللاعب الوحيد الذي نجح لاحقًا في الفوز بكأس العالم ثلاث مرات.
ومن البرازيلي بيليه إلى الأرجنتيني دييغو مارادونا، ومن كريستيانو رونالدو البرتغالي إلى ليونيل ميسي الأرجنتيني، شهدت كأس العالم بزوغ نجوم كبار تحولوا إلى أساطير وتركوا بصمات خالدة في تاريخ اللعبة.
كما برزت أسماء عربية تركت بصمتها في تاريخ البطولة، من بينها الجزائري رابح ماجر، والعراقي أحمد راضي، والسعوديان سعيد العويران وسامي الجابر، إلى جانب التونسي علي الكعبي.
وقد قدم هؤلاء اللاعبون مستويات لافتة وأسهموا في تعزيز الحضور العربي على الساحة الكروية العالمية عبر لحظات خالدة ومشاركات صنعت ذاكرة كروية ممتدة عبر الأجيال".
ومع اقتراب انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك خلال الفترة من 11 حزيران إلى 19 تموز ، تتطلع الجماهير إلى اكتشاف نجوم جدد قد يخطفون الأضواء ويكتبون أول فصول أمجادهم العالمية في أكبر حدث كروي على الإطلاق".
وبعد الاشارة الى البداية الحقيقية لأحد أعظم أساطير كرة القدم في مونديال السويد عام 1958، عندما بزغ نجم بيليه وهو في السابعة عشرة من عمره، ليقود البرازيل إلى لقبها العالمي الأول الذي أنطلق بمسيرة استثنائية جعلته أحد أعظم اللاعبين في تاريخ اللعبة نعرج على مونديال إسبانيا عام 1982،حيث أبهرت البرازيل العالم بأحد أكثر منتخباتها جمالا وإمتاعا بقيادة سقراط وزيكو وفالكاو وإيدر. وكان سقراط رمزا لذلك الجيل الذهبي بفضل رؤيته وإبداعه في وسط الملعب، تاركا بصمة خالدة رغم خروج منتخب بلاده من الدور الثاني أمام إيطاليا.
أما مونديال المكسيك عام 1986، فقد شهد وصول دييغو مارادونا إلى قمة المجد الكروي بعدما قاد الأرجنتين إلى التتويج باللقب بأداء استثنائي جعله أحد أبرز رموز اللعبة عبر التاريخ وكانت بطولة رجل واحد تقريبًا، بعدما فرض مارادونا اسمه على العالم بأكمله.
ففي مواجهة إنجلترا سجل مارادونا هدف "اليد" الشهير، ثم تبعه بهدف آخر اعتبره كثيرون "هدف القرن" بعد مراوغة مذهلة لعدة لاعبين قبل هز الشباك. وتحولت تلك البطولة إلى إحدى أشهر نسخ كأس العالم عبر التاريخ.
وفي الفترة ذاتها ، بدأ العالم يتعرف إلى جيل هولندي مميز ضم الثلاثي ماركو فان باستن ورود خوليت وفرانك ريكارد، الذين شقوا طريقهم نحو النجومية وأصبحوا من أبرز الأسماء في كرة القدم العالمية.
وفي إيطاليا عام 1990، صنع الكاميروني روجيه ميلا واحدة من أكثر قصص البطولة إلهاما عندما قاد منتخب بلاده إلى بلوغ الدور ربع النهائي، ليصبح أول منتخب إفريقي يحقق هذا الإنجاز في تاريخ كأس العالم، فيما خطف الإنجليزي بول غاسكوين الأنظار بموهبته الكبيرة وشخصيته العفوية ليصبح أحد أبرز نجوم تلك النسخة.
وتواصلت رحلة صناعة النجوم في مونديال الولايات المتحدة عام 1994، حيث برز الإيطالي روبرتو باجيو وقاد منتخب بلاده إلى المباراة النهائية بسلسلة من العروض المميزة، قبل أن يعيش لحظة مؤلمة بإهداره ركلة الترجيح الحاسمة أمام البرازيل، ليخسر المنتخب الإيطالي اللقب بعد نهائي ظل عالقا في ذاكرة البطولة.
وفي المقابل، تألق روماريو في قيادة المنتخب البرازيلي إلى إحراز لقبه العالمي الرابع بفضل أهدافه الحاسمة وقدرته الكبيرة على صناعة الفارق.
وشهدت نسخة فرنسا عام 1998 عصرًا جديدًا مع زيادة عدد المنتخبات إلى 32 فريقًا للمرة الأولى كما شهدت واحدة من أبرز محطات مسيرة زين الدين زيدان، بعدما قاد منتخب بلاده إلى أول لقب عالمي في تاريخه، وسجل هدفين في المباراة النهائية أمام البرازيل، ليصبح أحد أبرز رموز الكرة الفرنسية عبر التاريخ.
أما مونديال عام 2002 في كوريا الجنوبية واليابان، فقد شكل محطة بارزة في مسيرة النجم البرازيلي رونالدينيو الذي أبهر الجماهير بمهاراته الاستثنائية ولمساته الساحرة وأسهم في تتويج منتخب بلاده باللقب.
وفي مونديال ألمانيا عام 2006، شهدت البطولة بروز عدد من النجوم الذين أصبحوا لاحقا من أبرز رموز كرة القدم العالمية، يتقدمهم البرتغالي كريستيانو رونالدو الذي فرض حضوره بقوة، إلى جانب الأرجنتيني ليونيل ميسي الذي سجل ظهوره الأول في كأس العالم وهو في الثامنة عشرة من عمره، حيث شارك بديلا أمام منتخب صربيا ومونتينيغرو آنذاك، وسجل هدفا وصنع آخر في الفوز الكبير للأرجنتين بنتيجة (6 - 0).
وأصبح ميسي بذلك أصغر لاعب أرجنتيني يسجل هدفا في تاريخ مشاركات منتخب بلاده بكأس العالم.
أما نسخة 2010 في جنوب أفريقيا فكانت استثنائية لأسباب عديدة، أبرزها أنها أقيمت للمرة الأولى في القارة الإفريقية، وشهدت تتويج إسبانيا بأول لقب عالمي في تاريخها بعد جيل ذهبي ضم أسماء بارزة وثلاثة
لاعبين فقط هم (ديفيد فيا وأندريس إنييستا وكارليس بويول) سجلوا جميع أهداف أسبانيا في جنوب افريقيا ولم يشهد تاريخ البطولة أن سجل أقل من أربعة لاعبين أهداف فريقهم خلال مشاركته في إحدى النسخ".
يُذكر أيضاً أن غلة الماتادور بثمانية أهداف فقط هي الأقل بالنسبة لحامل اللقب في تاريخ المونديال".
واستمرت كأس العالم في تقديم نجوم جدد، ففي البرازيل عام 2014، فرض الكولومبي خاميس رودريغيز نفسه على الساحة العالمية بعد تألقه اللافت وقيادته منتخب بلاده إلى أفضل مشاركة في تاريخه.
أما في روسيا عام 2018، فقد بزغ نجم الفرنسي كيليان مبابي الذي انتقل من موهبة واعدة إلى أحد أبرز نجوم كرة القدم العالمية بفضل سرعته ومهاراته وقدرته على حسم المباريات، ليسهم في تتويج منتخب بلاده باللقب العالمي.
وفي كأس العالم FIFA قطر 2022، تواصل ظهور النجوم الجدد، حيث فرض الأرجنتيني إنزو فرنانديز نفسه واحدا من أبرز الوجوه الصاعدة ونال جائزة أفضل لاعب شاب في البطولة، كما لفت الكرواتي يوشكو غفارديول والفرنسي أوريلين تشواميني الأنظار بمستويات مميزة أكدت أن المونديال لا يزال المنصة الأهم لاكتشاف المواهب وصناعة نجوم المستقبل.
يذكر ان أوروجواي احتضنت النسخة الأولى من نهائيات كأس العالم عام 1930، هدية لها على فوز منتخبها بآخر بطولتين أولمبيتين قبل المونديال،وصادفت الإنطلاقة الإحتفال بمرور 100 عام على الاستقلال، وتمكنت أوروجواي من الفوز باللقب، بعد التغلب على غريمها التقليدي الأرجنتين (4-2)، وتوجّت باللقب في أول بطولة شارك فيها 13 منتخباً، وهي البطولة، التي تعد حلماً تمنى الفرنسي جول ريميه رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم تحقيقه، وهو ما حدث بالفعل.
ومن محطات المونديال الاشارة الى مشاركات المنتخبات العربية لأكثر من مرة في كأس العالم، وكان في مقدمتها المنتخب المصري، الذي كان أول منتخب عربي وإفريقي يشارك في المحفل العالمي، عام 1934 بإيطاليا، ورغم أن البطولة شهدت تواجد أكثر من منتخب عربي، بداية من عام 1982، إلا أن أول مواجهة عربية في المونديال كانت عام 1994، في الولايات المتحدة الأمريكية.
وهذه المواجهة كانت بين منتخبي السعودية والمغرب، اللذين أوقعتهما القرعة وجهاً لوجه في المجموعة السادسة، برفقة منتخبي هولندا وبلجيكا، ولكن المنتخب السعودي نجح في حسمها لمصلحته بعدما فاز بهدفين لهدف حيث سجل له سامي الجابر من ركلة جزاء، ثم تعادل محمد الشاوش، قبل أن يسجل فؤاد أنور هدف الفوز للسعوديين، ليكون الأخضر صاحب أول فوز في المواجهات العربية بكأس العالم.
المثير أن المنتخب السعودي رغم هزيمته في الجولة الأولى أمام هولندا بهدف مقابل هدفين، إلا أنه فاز على بلجيكا في الجولة الأخيرة بالهدف الشهير الذي سجله سعيد العويران، ليتأهل لدور الـ16، في إنجاز تاريخي للكرة العربية.
ومن القصص المرتبطة بكاس العالم هي التي تخص تنتظيم إنجلترا نسخة 1966، وقبل انطلاق المونديال بـ113 يوماً، وتحديداً في 20 مارس/آذار 1966، حدث ما لم يكن في الحسبان، فمن ضمن النشاطات التي أشرف على تنظيمها الاتحاد المحلي، المعرض الخاص بالطوابع، الذي أقيم بمناسبة استضافة البلد للنهائيات، وضم في جنبات إحدى صالاته كأس العالم الذهبية «كأس جول ريميه»، التي كان بمقدور العامة من الناس إلقاء نظرة عليها.
وفي ذاك اليوم، تمكن أحد الزوار من سرقة الكأس من دون أن يثير انتباه الجهات المختصة، واضعاً الاتحاد المحلي في موقف حرج للغاية، فأعلنت حالة الطوارئ في البلاد، وكثفت الشرطة المحلية؛ للبحث عن الكأس.
وتصدرت قصة اختفاء الكأس عناوين الصحف المحلية، حتى أن الشرطة وبالتنسيق مع الاتحاد الإنجليزي أعلنا عن تقديم جائزة نقدية تصل إلى عشرة آلاف جنيه استرليني لمن يدلي بمعلومات تفضي إلى إيجاد «الكنز المفقود».
وبمرور الأيام أخذ اليأس يدب في صفوف الاتحاد وأعضائه، فقضية استعادة الكأس المسروقة أصبحت شبه مستحيلة حتى أن بعض التقارير غير المؤكدة أشارت إلى وجود محادثات حول إمكانية صنع نسخة ثانية منها، عوضاً عن تلك التي باتت في عداد الضائعة.
وفي 27 مارس/آذار من ذات العام، كان المواطن الإنجليزي ستانلي كوربيت يمشي برفقة كلبه، الذي كان يُدعى «بيكلز»، وأخذ الكلب على غير عادته يبحث في مكان غريب خلال إحدى النزهات بشكل أثار انتباه صاحبه، الذي حاول مراراً مناداته للعودة لكن دون جدوى، وأسرع بشكل لا إرادي نحو كلبه فوجد كأس جول ريميه، وأسرع ستانلي كوربيت، إلى أقرب مركز للشرطة ليضع الكأس في متناول يد السلطة بعدما وجده ملفوفاً بجريدة ممزقة.
وقبل أيام من انطلاق كأس العالم 2026، تسود حالة من الترقب والامل في انتظار بزوغ أسماء جديدة متميزة تواصل إرث البطولة العريق في صناعة الأساطير. فكما اعتادت كأس العالم عبر تاريخها أن تكشف عن مواهب استثنائية تغير ملامح اللعبة وتلهم الأجيال، يترقب عشاق كرة القدم هوية النجم القادم الذي سيسطع في سماء المونديال".
وبين كل نسخة وأخرى، يبقى المونديال الحدث الكروي الأبرز الذي يمنح اللاعبين فرصة نادرة لترك بصمة خالدة وكتابة أسمائهم في ذاكرة اللعبة ووجدان الجماهير عبر الأجيال"./انتهى
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التليغرام