كيف ولدت هذه المناسبة.. ومن هو "القديس فالنتين" حقاً؟
قبل أن يصبح عيد الحب احتفالاً بالورود والشوكولاتة، كان طقساً وثنياً عنيفاً. فخلال منتصف فبراير / شباط من كل عام، كان الرومان القدماء يحتفلون بعيد "لوبركيليا" (Lupercalia)، وهو مهرجان للخصوبة لتكريم الإله لوبيركوس، حامي القطعان والرعاة .
تقول الأسطورة الرومانية إن الاحتفال كان يبدأ بتضحية "كلب وذكر ماعز" من قبل كهنة عراة، ثم يشرعون في تقطيع جلود الحيوانات إلى شرائح جلدية، بعد ذلك، كان الكهنة يجولون في شوارع روما وهم يضربون النساء بهذه الجلود، في مشهد بدائي يعكس معتقداتهم حول الخصوبة. والأغرب أن النساء كن يتطوعن لتلقي الضربات، معتقدات أن هذه الشعائر تزيد من حظوظهن في الحمل والإنجاب .
واستمرت هذه الممارسات الوثنية شعبية لعدة قرون، حتى بعد أن أصبحت المسيحية الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية.
وبحلول نهاية القرن الخامس، قرر البابا جيلاسيوس الأول وضع حد لهذه الطقوس، فاستبدل عيد "لوبركيليا" بعيد مسيحي جديد أطلق عليه "عيد القديس فالنتين"، ليكون بذلك أول تحول كبير في تاريخ هذه المناسبة .
القديس فالنتين.. بين الأسطورة والتاريخ
يقف خلف تسمية العيد أكثر من قديس مسيحي يحملون الاسم نفسه، استشهدوا في فترات متقاربة. لكن القصة الأكثر شيوعاً تعود إلى كاهن روماني عاش في القرن الثالث الميلادي، في عهد الإمبراطور كلوديوس الثاني .
تقول إحدى الروايات الأكثر انتشاراً أن الإمبراطور أصدر مرسوماً بمنع زواج الجنود الشباب، اعتقاداً منه أن العزاب أكثر قدرة على القتال والتضحية في ساحات الحرب، لكن الكاهن فالنتين تحدى هذا القرار، واستمر في عقد القران سراً للعشاق، ليحبط بذلك خطط الإمبراطور ، عندما اكتشفت السلطات أمره، أُلقي القبض عليه وحُكم عليه بالإعدام .
وتضيف روايات أخرى تفاصيل أكثر إنسانية للحكاية. فخلال فترة سجنه، يقال إن فالنتين تعرف على ابنة السجان العمياء، وأعاد إليها بصرها بمعجزة إلهية. وفي ليلة إعدامه، كتب لها رسالة وداع وقعها بـ"من فالنتينك" (From your Valentine)، وهي العبارة التي لا تزال تُستخدم حتى اليوم في بطاقات المعايدة .
ورغم أن المؤرخين يشككون في دقة هذه التفاصيل، ويشيرون إلى أن خلطاً قد حدث بين عدة قديسين، إلا أن الكنيسة اعتمدت يوم 14 فبراير تاريخاخ لتكريم هؤلاء الشهداء.
وبحسب الموسوعة البريطانية، فإن الكنيسة الكاثوليكية تركت إحياء ذكراه للتقاويم المحلية، نظراً لعدم توفر معلومات مؤكدة عنه سوى أنه دُفن على طريق "فلامينيا" في روما بهذا التاريخ .
تشوسر وشكسبير.. عندما دخل الأدب على الخط
ظل عيد القديس فالنتين مناسبة دينية بحتة لأكثر من ألف عام، قبل أن يتحول إلى احتفال بالحب والرومانسية. يعود الفضل في هذا التحول الكبير إلى الشاعر الانكليزي جيفري تشوسر في القرن الرابع عشر .
في قصيدته الشهيرة "برلمان الطيور" (The Parliament of Fowls)، كتب تشوسر يصف تجمع الطيور في 14 فبراير لاختيار أزواجها، كاتباً: "لأن هذا هو عيد القديس فالنتين، عندما يأتي كل طائر إلى هنا ليختار رفيقه". هذه الصورة الشعرية ربطت لأول مرة بين عيد القديس وبداية موسم تزاوج الطيور، ومن ثم بفكرة الحب والاقتران .
بعد تشوسر، جاء ويليام شكسبير ليُعزز هذا الربط في مسرحياته. ففي "هاملت" مثلاً، تغني أوفيليا: "غداً هو عيد القديس فالنتين، في الصباح الباكر، وأنا فتاة عند نافذتك، لأكون عشيقتك". هذا التراث الأدبي الغني أسهم في ترسيخ فكرة أن 14 فبراير هو يوم العشاق بامتياز .
من بطاقات ورقية إلى إمبراطورية تجارية
شهد القرن الخامس عشر الميلادي تطوراً مهماً آخر، تمثل في أول بطاقة معايدة مكتوبة بمناسبة العيد. في عام 1415، أرسل تشارلز، دوق أورليان، رسالة حب إلى زوجته من سجنه في برج لندن بعد معركة أجينكور، وقعها بـ"فالنتينك". وتُحفظ هذه البطاقة الأصلية حتى اليوم في المكتبة البريطانية بلندن .
بحلول القرن الثامن عشر، أصبحت كتابة "رسائل فالنتين" اليدوية تقليداً شائعاً في انكلترا وأمريكا. لكن الثورة الحقيقية بدأت في أربعينيات القرن التاسع عشر، عندما بدأت إستر هاولاند في بيع أول البطاقات المطبوعة تجارياً في الولايات المتحدة، مسوقة إياها بفكرة "إرسال بطاقة بدلاً من كتابة رسالة طويلة". وفي عام 1913، دخلت شركة "هال مارك" (Hallmark) السوق، فتحولت البطاقات إلى صناعة ضخمة .
أيقونات الحب: القلب، كيوبيد، والورود الحمراء
ارتبطت بعيد الحب مجموعة من الرموز التي باتت جزءاً لا يتجزأ من هويته البصرية. فالقلب، باعتباره مقر العواطف والأحاسيس حسب المعتقدات القديمة، أصبح الأيقونة الأولى للعاطفة والحب. وتقول بعض الأساطير إن القديس فالنتين كان يقطع قلوباً من الرق لمنحها للجنود المسيحيين تذكيراً لهم بحب الله والتزاماتهم الزوجية .
أما كيوبيد، ابن فينوس إلهة الحب والجمال في الميثولوجيا اليونانية، فحضوره يعود إلى الجذور الوثنية ذاتها. ويُصوَّر عادة كطفل مجنح يحمل قوساً وسهاماً، ترمز إلى أن الحب قد يأتي فجأة كالسهم الطائش .
الورود الحمراء، رمز العاطفة الجامحة، ارتبطت بالمناسبة لارتباطها بفينوس إلهة الحب، التي قيل إن الورود تفتحت من دموعها.
وفي القرن الثامن عشر، أدخل الملك تشارلز الثاني ملك السويد "لغة الأزهار" إلى أوروبا، فكانت الوردة الحمراء تعبيراً صريحاً عن الحب العميق .
يوم العشاق اليوم: بين الرومانسية والتجارة
اليوم، تجاوز عيد الحب كونه احتفالاً بين العشاق فقط، ليشمل الأصدقاء ، ففي الولايات المتحدة وحدها، يتم إرسال نحو 190 مليون بطاقة معايدة سنوياً، وفقاً لجمعية بطاقات المعايدة الأمريكية. وإذا أضفنا إليها البطاقات التي يتبادلها تلاميذ المدارس، يرتفع العدد إلى أكثر من مليار بطاقة، مما يجعل عيد الحب ثاني أكبر مناسبة لتبادل البطاقات بعد عيد الميلاد .
الأرقام التجارية مذهلة حقاً. ففي عام 2011، قدر إجمالي الإنفاق على العيد بنحو 15.7 مليار دولار في الولايات المتحدة وحدها. وما زالت الشوكولاتة تستحوذ على نحو مليار دولار من هذه المبيعات، حيث ارتبطت بالمناسبة منذ أن ابتكرت شركة "كادبوري" البريطانية أول علبة شوكولاتة بشكل قلب في القرن التاسع عشر. كما يشتري نحو 47.5% من المحتفلين حلوى على شكل قلوب تحمل عبارات مثل "كن حبيبي" .
عيد الحب حول العالم
يختلف الاحتفال بعيد الحب من بلد لآخر. ففي اليابان، من المعتاد أن تقدم النساء الشوكولاتة للرجال، وتنقسم إلى نوعين: "هونمي تشوكو" (شوكولاتة الحب الحقيقي) المخصصة للحبيب، و"غيري تشوكو" (شوكولاتة الواجب) المقدمة للأصدقاء والزملاء .
أما في الفلبين، فيُعد هذا اليوم من أكثر الأيام شيوعاً لعقد الزواج، حيث تُقام مراسم زفاف جماعية تضم المئات في مختلف المدن . وفي سلوفينيا، يُعتبر القديس فالنتين أحد قديسي الربيع، حيث يقال إنه "يحمل مفاتيح الجذور" لبدء موسم النمو .
لكن العيد ليس مقبولاً عالمياً. ففي باكستان وإندونيسيا والسعودية، تُحظر الاحتفالات أو تُضبط بالضوابط الدينية الصارمة. وفي الهند، تعارضه بعض الأحزاب القومية بوصفه "مهرجاناً غربياً" يتعارض مع القيم التقليدية .
وهكذا، وبعد أكثر من 1700 عام على إعدام كاهن روماني صارع من أجل الحب، يظل عيد الحب مناسبة تختزل أرق المشاعر الإنسانية، وتوحد العشاق في كل أصقاع الأرض، وإن اختلفت أشكال التعبير وتنوعت طقوس الاحتفال./انتهى9
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التليغرام