الموصل/نينا/ تقرير : تجدهم عند تقاطعات الشوارع معرضين للموت المؤكد من سيارة مسرعة او مفخخة .. لا فرق عندهم ، في مقابل ان يرجعوا الى عائلاتهم بدنانير قد لا تسد جوعها.
يقضون معظم أوقاتهم في شوارع الموصل ، غير عابئين بالسيارات .. يبيعون السكائر والمناديل و(العلكة) .. يلحون على المارة وقائدي السيارات ويستعطفونهم بلهجة أقرب إلى (الشحاذة) منها إلى البيع.
يتكاثرون يوما بعد يوم .. حتى أصبحت الشوارع ، بدلا من المدارس والعائلات ، هي التي تربيهم.
يقول خالد جمال /8 سنوات/ ويسكن الدواسة للوكالة الوطنية العراقية للانباء /نينا/ " أريد الذهاب إلى المدرسة مثل أصدقائي .. لكن والدي يجبرني أنا وإخوتي الأربعة على البيع في الأسواق واشارات المرور ، وأحيانا يجبرني على التسول ".
أما اشرف عدي /7 سنوات/ الذي يسكن في (باب جديد) ويتسول في منطقة النبي شيت احياناً ، فيفسر ذلك بقوله " والدي قتلته العصابات المسلحة ووالدتي ليس لها عمل ، وعمي وجدي لا ينفقون علينا ".
ويقدم يوسف دريد /10 سنوات/ سببا آخر بقوله " زوج أمي يضربني إذا لم أجلب نقودا إلى البيت ".
ويكمل عدنان إبراهيم /11 سنة/ فصول المأساة " لقد نسينا اللعب .. وأصبح همنا الاول والاخير هو الحصول على المال من أجل المعيشة ، فأنا أحصل على ستة أو سبعة آلاف دينار يوميا قبل أن أعود الى البيت .. لكني أحصل على هذا المبلغ بعد أن يهدني التعب .. ولا وقت أو جهد لدى للعب أو الدراسة كبقية الاطفال ".
أما جمانة الجمال ذات الإحد عشر عاما ، فتقول " والدتي مريضة .. وهي بحاجة إلى نقود لشراء الدواء ، وأبي يعمل يوما.. وعاطل عشرة أيام ، وأنا أحصل يوميا على خمسة آلاف دينار .. تزداد أيام الجمع والأعياد ، لذلك اقوم ببيع الزهور الورقية التي اصنعها بالبيت وابيعها داخل الحي ".
وللتسول ضحايا كثيرون معظمهم نتيجة الاوضاع الامنية الراهنة في هذه المدينة التي تشرد وقتل واصبح يتيما بسببها العشرات من الاباء والامهات الذين تركوا وراءهم مئات الاطفال الذين لجأوا الى التسول من اجل جني لقمة العيش والعمل من اجل ان يستمروا في الحياة.
ولكل من هؤلاء قصة اخرى لكنها اشد سوداوية مما سبق بل مأساوية ، فأسمر سعد ، كان عمره ثماني سنوات عندما راح ضحية إحدى السيارات المفخخة عند إشارة مرورية كان يتسول فيها ، بينما فقد وليد ساقه عندما دهسته سيارة مسرعة وهو يقفز وسط الشارع ليلاحق بعض المارة وأصحاب السيارات.
سائقو السيارات المتوقفة في الإشارات المرورية لهم وجهة نظر في ظاهرة (أطفال الشوارع) في الموصل.
فبشار سمير /موظف/ يقول " الأهالي يلقون بأبنائهم إلى عمل شاق لا يتناسب مع أعمارهم البريئة ، والمسؤولون يرون ويراقبون .. ولا يحركون ساكنا ".
ولكن ما رأي أهل العلم والإختصاص في هذه الظاهرة ؟
يقول الدكتور سليمان الحافظ " إنها كارثة بحق أطفال العراق عامة وخاصة اطفال الموصل ، فبالإضافة إلى كون الظاهرة تشكل مرضا إجتماعيا ، إلا أنها تحرم الطفل أيضا من وجوده داخل الأسرة لفترات طويلة ".
ويضيف " السؤال المؤلم هنا هو : كيف يمكن أن نساعد هؤلاء الأطفال بعدما رفعت الدولة يدها عنهم ؟ "
مسؤولو الرعاية الإجتماعية في محافظة نينوى إمتنعوا عن الإدلاء بأي تعليق حول هذه الظاهرة ، ولم يوضحوا ما إذا كانت لديهم أية معلومات أو إحصاءات حول حجمها ، وتعللوا بإنه " ليس لديهم تعليمات للادلاء بتصريحات ".
ويرى محمد وليد /استاذ جامعي/ " ان المجتمع العراقي شهد خلال السنوات العشرين الماضية تحولات سريعة وحادة في مختلف مناحي الحياة .. مع إفرازات الحروب والحصار ".
ويوضح " إن إنحطاط المستوى المعيشي لغالبية الأسر العراقية هو جذر المشكلة ، فقد خسرت بعض العوائل الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي ، لذلك أخرجوا أولادهم من المدارس.. وزجوا بهم في العمل المبكر ".
ويتابع " إضافة إلى ذلك ما تعرض له الأطفال من مخاطر الاقتتال والذي إنعكس على حياتهم في أشكال مختلفة ، بل أن بعضهم يشترك بشكل مباشر فيه ، وسيطرت مشاعر العنف والعدوان على سلوكهم وتفكيرهم".
أما أستاذ علم الإجتماع /ناظم عبد الكريم/ فيقول " إنها ظاهرة تؤرق الضمير .. لقد أجريت دراسات عن أطفال الشوارع ، وبالتحديد الباعة المتجولون منهم ، فلاحظت من خلال الدراسة أن أغلبهم متشائم من مستقبله ".
وتابع " لقد إمتلأت شوارعنا بهم .. وعلينا أن نبادر للحد من تفاقم هذه الظاهرة وتأثيراتها المدمرة على جيل كامل "./انتهى
|