البصرة/نينا/تقرير عبدالامير الديراوي : في قرية نائية شمال البصرة وتحديدا عند منطقة الهارثة ، كان العم مهدي النيروز يقطن بيتا ريفيا بعيدا عن مساكن اهل القرية التي تتقارب الى بعضها.
لكنه اختار لنفسه وعائلته مكانا وسط بساتين النخيل لا يربطه بالقرية سوى ممر ضيق ومتعرج ومحفوف بالادغال والاشجار التي تنبت تلقائيا قرب الانهار الصغيرة.
لكن العم مهدي وعلى الرغم من عزلته البيتية ، كان حاضرا في كل شؤون القرية ، فهو جميل الطلعة ، يحبه الناس والاقرباء لكثرة مداعباته ونكاته التي يبدع باطلاقها على من حوله.
وعند النهر الذي يجاور بيته ، كان يتأمل الماء الصافي والاسماك الصغيرة التي تتراقص في المياه وتشكل خيوطا كأنها الأسراب ، فتجده ساكنا كأن النهر هو مرفأه الدائم ومنه يستوحي فنونه وعلومه وحذقه في المهن العديدة التي يخدم فيها أبناء قريته والقرى المجاورة لها.
فقد ذاع صيته كمزين شهير يقصده الناس ليضعهم عند جذع نخلة او على تلة صغيرة قرب البيت ويبدأ بحلاقة رؤوسهم ولا احد منهم يعترض على طريقة حلاقته فهو الوحيد هناك لكنه يجيد ترتيب وضع شعرهم دون ان يستخدم المرآة او الكرسي الدوار او المكان المنسق ، فهو حلاق بالهواء الطلق وكثيرا ما يستوقفه أبناء القرية في زقاق صغير او بيت طيني مهدم ليقوم بالحلاقة لهم وهم فرحون.
يحمل العم مهدي حقيبته التي تضم ادوات الحلاقة البدائية وكذلك /الجلابتين/ التي يستخدمها لقلع الأسنان أضافة الى أدوات الختان ، فهو /مطهرجي/ من الطراز الأول ، ماهر في مهنته حتى بلغت شهرته مناطق /المدينه/ كلها ولم تقتصر على الريف.
يقول بعض معاصريه في القرية ان مهدي النيروز كان يحلق رؤوس بعض زبائنه من كبار السن في زجاج القناني الفارغة بعد ان يكسرها بطريقة محكمة وبدون ان يشعر الزبون بأية متاعب ، لكنه في سنواته الاخيرة استخدم الماكنة وشفرات الحلاقة.
غير ان العم مهدي كان ماهرا أيضا في ختان الآولاد .. وطريقته انه يجمع ابناء القرية ويقوم بختانهم مرة واحدة وسط زغاريد النساء وفرح الاهل الذين يقيمون الاحتفالات وتوزيع المأكولات ، فيما يقبل الناس والجيران على المكان الذي يتم فيه الختان لتقديم الهدايا.
ويذكر أحدهم ان العادة تقضي بوضع /صينية/ يقدم الجيران والاقارب المبالغ الى المزين او /المطهرجي/ تجمع بعد انتهاء الحفل.
وهذه /الصينية/ يتكرر وضعها عند زفاف احد ابناء القرية حيث يجلس العريس على كرسي من جريد النخيل ويقوم العم مهدي بحلاقة رأسه ووجهه وتهيئته لليلة الزفاف وسط الهلاهل ونثر الحلوى و/الخردة/ على رأس العريس ، لكن من يظفر بها هو الحلاق.
ويقول رجل اخر ان العم مهدي كان يشبه الأسطورة في حينها ، فالكل يتحدث عن خفة يده في الختان وسرعة شفاء الاطفال ، فيقال عنه ان يده مباركة ، فهو يعالج الذين يقوم بختانهم من عروق النخيل او من /العثة/ التي تضرب الجذوع وكذلك من /السبخ/ او الملح الممزوج بالطين.
اما عملية قلع الاسنان ، فالكل يذهب اليه شاكيا آلام اسنانه ، فهو يملك /جلابتين/ يقلع بها الاسنان دون ألم ، كما يروي الناس عنه ، فهو يضع قطنا نظيفا مضافا اليه الملح مكان السن الذي اقتلعه ليتوقف النزف ، فلا احد يشكو من ورم او اية مضاعفات اخرى.
فعلى نيته الصافية يشفى الناس ويمنحهم العافية ويسر قلوبهم بنكاته وضحكاته ويخفف آلامهم بادوية يبتكرها من الاشجار ، كما ينصحهم دائما بوضع كمية من الملح داخل تمرة او تمرتين ليضعوها على اي جرح في الجسم ، وسرعان ما يخرج القيح ويندمل بسرعة.
فهو طبيب المنطقة الذي يسكن بعيدا عنهم حتى اجبروه على ان يبني بيتا بالقرب منهم لانهم يحتاجونه ليلا ، ويصعب عليهم الوصول اليه وسط الظلام الدامس والاشجار الكثيفة والانهر الصغيرة التي تعترض الطريق.
وهكذا فأن مهدي النيروز بقي خالدا في الذاكرة سواء في قريته او في اماكن المدينة المختلفة الى يومنا هذا ، فتلك الاسماء ، رغم عفويتها ومهنها الفطرية ، لكنها ادت خدمات اجتماعية جليلة لابناء المجتمع في حينه.
وما زال اهل القرية يتذكرون حلاقة /الحوف/ و /الصكرية/ التي كان العم مهدي يحببها في نفوس الفتيان آنذاك والتي تمثل اليوم التسريحات والقصات والموديلات الحديثة./انتهى2
|